اكتشف الصلة الصادمة: اضطراب الخلايا النجمية يُربط بالاكتئاب بعد التوتر في مرحلة الطفولة
ملخص: أظهر باحثون أن الخلايا الدبقية النجمية (astrocytes) في المهاد الجانبي (lateral hypothalamus) تلعب دورًا محوريًا في كيفية تأثير التوتر على السلوك، خاصة بعد المعاناة من صدمات الطفولة. في الفئران، أدّى التوتر إلى تقلص حجم هذه الخلايا وفقدانها للتشعبات، مع نشاط غير طبيعي في خلايا عصبية تُعرف بالـ orexin neurons، وظهرت أنماط سلوكية مختلفة بين الجنسين.
ومن خلال حذف مستقبلات هرمون التوتر من الخلايا الدبقية النجمية، تمكن العلماء من استعادة السلوك الطبيعي ووظيفة الخلايا العصبية، حتى عندما لم تعد الخلايا الدبقية إلى حجمها الأصلي تمامًا. وتُبرز هذه النتائج الخلايا الدبقية النجمية كأهداف علاجية واعدة للوقاية من الاكتئاب المقاوم للعلاج لدى البشر.
حقائق رئيسية
- دور الخلايا الدبقية النجمية (astrocytes): يُسبب التوتر اضطرابًا في شكل ووظيفة الخلايا الدبقية قبل أن تتأثر الخلايا العصبية.
- الاختلافات بين الجنسين: أدى التوتر في مراحل الطفولة إلى تغييرات سلوكية متعاكسة بين الفئران الذكور والإناث.
- الإمكانيات العلاجية: إزالة مستقبلات هرمون التوتر من الخلايا الدبقية النجمية عادل السلوك والنشاط العصبي إلى طبيعته.
المصدر: جامعة مونتريال
اكتشف باحثون كنديون أن الخلايا الدبقية النجمية (astrocytes) في منطقة المهاد الجانبي بالدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن تنظيم دورة النوم واليقظة، تلعب دورًا رئيسيًا في تنظيم نشاط الخلايا العصبية وسلوك الفئران.
وقدّم الفريق العلمي، بقيادة سياران ميرفي-رويال من مركز أبحاث المستشفى التابع لجامعة مونتريال (CRCHUM)، تفاصيل هذه النتائج في دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications.
ومن شأن هذا الاكتشاف، الذي يوسع فهمنا للآليات الدماغية، أن يُساهم يومًا ما في الوقاية من الاكتئاب وعلاجه لدى البشر، بحسب ما يرى الباحثون.
تشير الأدبيات العلمية إلى أن التوتر في مراحل الطفولة يرفع خطر الإصابة باضطرابات نفسية في مرحلة البلوغ بنسبة تصل إلى خمسة أضعاف، وغالبًا ما يؤدي إلى اضطرابات مقاومة للعلاج.
نشاط منخفض، نهارًا أو ليلًا
الخلايا الدبقية النجمية (astrocytes)، كخلايا دماغية، حساسة للتغيرات في تركيز المواد الأيضية في الدم، ويمكنها تعديل مدى تفاعلها مع الخلايا العصبية المجاورة استجابةً لهذه التغيرات.
وفي الفئران، تكون هذه التغيرات حساسة بشكل خاص لمستوى الكورتيكوستيرون (corticosterone)، وهو الهرمون المسؤول عن التوتر في هذه القوارض.
قال ميرفي-رويال، أستاذ في كلية الطب بجامعة مونتريال: “في الفئران البالغة التي عانت من توتر في الطفولة، لاحظنا مستويات عالية بشكل غير طبيعي من الكورتيكوستيرون. كما أن تأثير التوتر على السلوك اختلف حسب الجنس”.
وأضاف: “الإناث كنّ أقل نشاطًا خلال الليل، في حين أن الذكور كانوا نشيطين بشكل مفرط خلال النهار”.
وقد لوحظت هذه الاختلافات بين الجنسين أيضًا لدى البشر المصابين بالاكتئاب والذين تعرضوا لنوع مماثل من التوتر في الصغر.
نقص في الرعاية الأمومية
تمكن لويس ر. دي باو-هولت، الباحث الأول في الدراسة وطالب دكتوراه في فريق ميرفي-رويال، من محاكاة ظروف التوتر في مراحل الطفولة عند القوارض الصغيرة من خلال فصلهم عن أمهاتهم.
على مدى 10 أيام، وبمعدل أربع ساعات يوميًا، تم عزل الفئران الصغيرة عن أمهاتها. وحدث هذا النقص في الرعاية الأمومية خلال فترة حرجة من تطور الدماغ، تعادل عمر 3 إلى 7 سنوات عند الأطفال البشريين.
قال ميرفي-رويال: “لقد لاحظنا أيضًا اختلافات في مستويات النشاط بين الفئران الذكور والإناث ضمن مجموعة من الخلايا العصبية تُنتج ببتيدات عصبية تُعرف باسم الـ orexins”.
وأوضح: “تقع هذه الخلايا العصبية (orexin neurons) في المهاد الجانبي، وتساهم في تنظيم دورة النوم واليقظة. في الذكور، أظهرت هذه الخلايا نشاطًا مفرطًا، بينما في الإناث كان نشاطها منخفضًا”.
في الفئران التي عانت من توتر في الطفولة، كانت الخلايا الدبقية النجمية أصغر حجمًا وتملك عددًا أقل من التشعبات، خاصة عند الإناث. وهذه التشعبات ضرورية لنقل المعلومات إلى الخلايا العصبية المجاورة والتفاعل مع الخلايا القريبة.
قال ميرفي-رويال: “في مجال تخصصنا، نعتقد أن التغيرات في شكل الخلايا الدبقية النجمية تُعدّ مؤشرًا على خلل وظيفي. في البشر، نلاحظ هذه التغيرات في أمراض مثل باركنسون أو ألزهايمر”.
هل هناك مسار إشاري واحد؟
ما إذا كانت التغيرات في السلوك، ونشاط الخلايا العصبية، وشكل الخلايا الدبقية عند كلا الجنسين مرتبطة بمسار إشاري وحيد للتوتر؟
لفحص هذه الفرضية، قام فريق بحث CRCHUM بحذف المستقبلات الغلوكوكورتيكويدية (glucocorticoid receptors) من الخلايا الدبقية النجمية، وهي المستقبلات التي يرتبط بها عادةً هرمون التوتر (الكورتيكوستيرون).
قال ميرفي-رويال: “مع غياب هذه المستقبلات، عاد نشاط الخلايا العصبية وسلوك الفئران إلى المعدلات الطبيعية، مشابهة لتلك الخاصة بالفئران التي لم تتعرض لتوتر في الطفولة”.
وأضاف: “وحتى لو لم تعد الخلايا الدبقية إلى حجمها الطبيعي، فقد استعادت تعقيدها البنيوي، والذي يتجلى في عدد التشعبات التي تستخدمها للتفاعل مع الخلايا المجاورة”.
وتُظهر الدراسة، على عكس ما كان يُعتقد سابقًا، أن الخلايا الدبقية النجمية تتأثر بالتوتر قبل أن تتأثر الخلايا العصبية.
وحذّر ميرفي-رويال من أن التحدي المتمثل في التصدي لآثار التوتر في مراحل الطفولة سيكون بالتأكيد أكثر تعقيدًا لدى البشر مقارنةً بالقوارض، لكن هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا: قد تصبح الخلايا الدبقية النجمية هدفًا علاجيًا ممتازًا للوقاية من الاكتئاب.
عن هذا البحث في علم الأعصاب والصحة النفسية
الملخص
A divergent astrocytic response to stress alters activity patterns via distinct mechanisms in male and female mice
يُعد المهاد الجانبي (lateral hypothalamus) منطقة دماغية تنظّم مستويات النشاط، والسلوك اليوماوي (circadian)، والسلوك التحفيزي (motivated behaviour).
بينما يُعد اضطراب هذه السلوكيات علامة بارزة على الاضطرابات العصبية النفسية المرتبطة بالتوتر، تظل الآليات الخلوية الكامنة وراء تأثير التوتر على هذه المنطقة الدماغية غير مفهومة جيدًا.
في هذه الدراسة، نُبلغ عن أن آثار التوتر على مستويات النشاط السلوكي ترتبط بنشاط تلقائي في الخلايا العصبية المنتجة للـ orexin، ما يؤدي إلى فرط النشاط عند الذكور وانخفاضه عند الإناث.
ترافق هذه التغيرات العصبية إعادة تشكيل في الخلايا الدبقية النجمية (astrocyte remodelling)، حيث كشفت التلاعبات التجريبية عن أن الخلايا الدبقية النجمية في المهاد الجانبي تُعد منظمات رئيسية لسرعة إطلاق الإشارات العصبية وأنماط النشاط البدني.
في سياق التوتر، كانت التغيرات الجنسية المحددة في نشاط خلايا الـ orexin ناتجة عن آليات دبقية مختلفة: ارتفاع في الإشارات البرينية (purinergic signaling) عند الذكور، وانخفاض في تركيز حمض الـ L-lactate الخارجي الخلية عند الإناث.
وأخيرًا، أظهرنا أن الحذف الوراثي للمستقبلات الغلوكوكورتيكويدية (glucocorticoid receptors) في الخلايا الدبقية النجمية بالمهاد الجانبي يعيد تشكيل شكل الخلايا الدبقية، ويُعيد توازن نشاط خلايا الـ orexin، ويُعيد مستويات النشاط إلى طبيعتها عند كلا الجنسين.
بشكل عام، تُثبت هذه البيانات دورًا سببيًا للخلايا الدبقية النجمية في تنظيم نشاط خلايا الـ orexin وأنماط السلوك، وتكشف أن هذه الخلايا هي المحرك الأساسي للتغيرات السلوكية الناتجة عن التوتر.
اترك تعليقاً