اكتشف كيف تُعيد الـGenetics كشف أسرار تأثير التفاعل البشري على تطور اللغة
ملخص: تُظهر دراسة جديدة أن الأدلة الوراثية على التفاعل التاريخي بين السكان تكشف أنماطًا متسقة في تغير اللغات. من خلال دمج البيانات الوراثية مع قواعد بيانات لغوية، وجد الباحثون أن اللغات غير المرتبطة أصبحت أكثر تشابهًا بنسبة 4–9% بعد التفاعل البشري.
وقد حدث هذا التبادل على مستوى عالمي، سواء عبر الهجرات القديمة أو من خلال اللقاءات الاستعمارية الحديثة، مما يبرز أن الديناميكيات الاجتماعية غالبًا ما تتجاوز القيود اللغوية. وتُظهر النتائج أن التفاعل يمكن أن يقود إلى التقارب أو التباعد اللغوي، ما يعيد تشكيل فهمنا لتطور اللغات.
حقائق رئيسية:
- الوراثة كأداة: تم تتبع أكثر من 125 حالة من التفاعل السكاني من خلال الأدلة الجينية.
- التقارب المتسق: تميل اللغات إلى التقارب بنسبة 4–9% بعد التفاعل، بغض النظر عن الموقع الجغرافي.
- التباعد غير المتوقع: في بعض الحالات، ركّزت الجماعات على الاختلافات، ما جعل لغاتها أقل تشابهًا.
المصدر: جامعة زيورخ
على امتداد التاريخ البشري، شهدنا العديد من الحالات التي دخلت فيها مجتمعات بشرية مختلفة في تواصل مباشر – خاصة خلال الألفية الأخيرة، نتيجة للهجرات الواسعة الناتجة عن الفتوحات، والاستعمار، وفي العصر الحديث، العولمة.
خلال هذه اللقاءات، لم يقتصر التبادل على المادة الوراثية فحسب، بل شمل أيضًا عناصر ثقافية متعددة.
فعندما تتفاعل المجتمعات، قد تتبادل التقنيات، والمعتقدات، والممارسات، وأهم من ذلك: جوانب من لغاتها.
وهكذا، يمكن أن تنتقل أصوات، أو كلمات، أو أنماط نحوية من لغة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، استعارت الإنجليزية كلمة “sausage” من الفرنسية بعد الفتوح النورماندية، بينما استعارت الفرنسية لاحقًا كلمة “sandwich” من الإنجليزية.
إلا أن دراسة هذه التبادلات اللغوية تظل صعبة بسبب نقص السجلات التاريخية عن التفاعلات البشرية، خاصة على المستوى العالمي. ونتيجة لذلك، يظل فهمنا لكيفية تطور اللغات عبر الزمن غير مكتمل.
ولسد هذه الفجوة، بدأ الباحثون اليوم بالاعتماد على الوراثة (genetics)، التي تحفظ آثار التفاعلات السكانية القديمة.
في هذه الدراسة الجديدة، استخدم فريق بحثي من جامعة زيورخ لأول مرة الأدلة الجينية على الاختلاط السكاني التاريخي (genetic admixture) للتحقيق في تأثير التفاعل على اللغة، وكشف الأنماط النظامية لتغيرها.
استخدام الوراثة لحل لغز التغيرات اللغوية
تقول آنا جراف (Anna Graff)، الباحثة الرئيسية في الدراسة وأستاذة اللغويات في جامعة زيورخ: “من خلال استخدام البيانات الجينية كمؤشر على التفاعل البشري في الماضي، تمكّنا من تجاوز مشكلة نقص السجلات التاريخية، وتمكنا من كشف أكثر من 125 حالة تفاعل مماثلة على مستوى العالم”.
وقد دمج الفريق البحثي المتعدد التخصصات بيانات وراثية من أكثر من 4700 فرد من 558 مجتمعًا بشريًا، مع قاعدتي بيانات لغويتين رئيسيتين تسجّلان الخصائص النحوية (phonological)، والصوتية (grammatical)، والمعجمية (lexical) لأكثر من آلاف اللغات.
ووجدوا أنه في الحالات التي حدث فيها اختلاط وراثي (genetic contact)، زادت احتمالية تبادل الميزات اللغوية بين لغات غير مرتبطة بنسبة تتراوح بين 4 و9%.
تضيف جراف: “هذا يفتح آفاقًا جديدة لفهم كيف تتطور اللغات من خلال التفاعل البشري”.
وتوضح تشيارا باربيري (Chiara Barbieri)، المؤلفة المشاركة والخبيرة في الوراثة السكانية (population genetics) في جامعة كالياري: “ما فاجأنا أكثر هو أنه بغض النظر عن الموقع الجغرافي، عندما تتفاعل المجتمعات البشرية، تصبح لغاتها أكثر تشابهًا بنسبة متماثلة بشكل ملحوظ”.
وتُضيف: “قد يشمل الاختلاط الجيني مجتمعات من قارات مختلفة، مثلما حدث في السياقات الاستعمارية الحديثة، أو مجتمعات من نفس القارة، كما في الهجرات الزراعية القديمة (Neolithic migrations). نتائجنا تُظهر أن اللغات تتأثر بالتفاعل بنفس الطريقة، بغض النظر عن المقياس الجغرافي أو الاجتماعي، ما يشير إلى علاقة ثابتة بين التاريخ السكاني وتغير اللغة”.
نظرة أعمق على ديناميكيات اللغة والمجتمع
ومع ذلك، وعلى الرغم من تشابه معدلات التقارب، تختلف الميزات اللغوية المتبادلة بشكل كبير. فبينما يسهل نقل بعض العناصر مثل ترتيب الكلمات (word order) أو أصوات الحروف الساكنة (consonant sounds)، مقارنةً بخصائص نحوية أو صوتية أخرى، لم يجد الفريق قواعد ثابتة تحكم احتمالية الاستعارة اللغوية (borrowability).
يوضح بالثاسار بيكيل (Balthasar Bickel)، المؤلف المشارك ومدير مركز NCCR Evolving Language: “هذا يتحدى افتراضات طويلة الأمد حول ما يجعل ميزة لغوية أكثر أو أقل قابلية للاستعارة. إنها تشير إلى أن الديناميكيات الاجتماعية للتفاعل – مثل اختلالات القوة، والهيبة (prestige)، وهوية الجماعة – غالبًا ما تطغى على أي قيود كانت تُعتقد سابقًا أنها تؤثر عندما يتعلم الناس لغة جديدة ويبدأون باستعارة عناصر منها”.
وفي بعض الحالات، وجد الفريق العكس تمامًا من الاستعارة: فقد أصبحت بعض الخصائص أقل تشابهًا بعد التفاعل. وتحدث هذه الظاهرة عندما تُركّز الجماعات على الاختلافات اللغوية لتأكيد هويتها المستقلة، وهي ظاهرة تُعرف بـ schismogenesis (أو التباعد التفاعلي).
تقول جراف: “بينما يقود التفاعل عادةً إلى تقارب اللغات، فإنه في بعض الأحيان يؤدي إلى تنوّعها. وتُشير نتائجنا إلى أن كلًا من التقارب والتباعد جزء من القصة العالمية لتطور اللغة”.
تكشف هذه النتائج رؤى جديدة حول فهمنا لتاريخ لغات العالم – وما قد ينتظرنا في المستقبل. فقد ارتبط التفاعل بين السكان دائمًا بفقدان اللغات، لكن هذه الدراسة تُظهر أنه يمكنه أيضًا أن يُضعف الطبقات الأعمق للتنوع اللغوي (linguistic diversity).
وفي عالم نصبح فيه أكثر ترابطًا عالميًا، ومع تفاقم الأزمة المناخية، وتوسّع استخدام الأراضي، وتشتت السكان، قد تتعزز هذه العمليات أكثر، ما يؤدي إلى تجزئة السجل اللغوي للماضي البشري.
عن هذه الدراسة في مجال الوراثة واللغة
الملخص
تكشف أنماط الاختلاط الوراثي (genetic admixture) عن معدلات متشابهة من الاستعارة عبر سيناريوهات متنوعة من التفاعل اللغوي
عندما يتفاعل متحدثو لغات مختلفة، غالبًا ما يستعيرون ميزات مثل الأصوات، أو الكلمات، أو الأنماط التركيبية (syntactic patterns) من لغة إلى أخرى، لكن نقص البيانات التاريخية حال دون تقدير هذا التأثير على نطاق عالمي.
نخرج من هذه المعضلة باستخدام الاختلاط الوراثي (genetic admixture) كمؤشر على التفاعل السكاني.
وجدنا أن أزواج اللغات التي شهدت مجتمعاتها اختلاطًا وراثيًا، أو التي تقع في نفس السياق الجغرافي-التاريخي، تشترك في ميزات أكثر من غيرها، ما يشير إلى حدوث استعارة لغوية.
ويتفاوت هذا التأثير بشكل كبير حسب الميزة المستعارة، جزئيًا وفقًا لما يُتوقع من سهولة التعلم مدى الحياة (lifelong learnability)، وجزئيًا استجابةً للاختلالات الاجتماعية أثناء التفاعل.
بالإضافة إلى ذلك، وجدنا أنه في بعض الميزات، يقل التشابه بعد الاختلاط، ما يعكس على الأرجح إشارات تباعد (schismogenesis) يحدث تحت ضغط التفاعل.
اترك تعليقاً