إهمال الطفل وحده يُغيّر مسارات الدماغ
ملخص: يكشف بحث جديد في التصوير العصبي أن الإهمال وحده، دون أشكال أخرى من الإساءة، يمكن أن يُحدث تغييرات في المسارات الدماغية الحيوية. وجد الباحثون تشوهات في مناطق المادة البيضاء المرتبطة بالحركة والانتباه واللغة وتنظيم المشاعر.
وقد ارتبطت هذه التغيرات بشكل مباشر بمشاكل السلوك والسلوك العدواني، مما يبرز الأثر العميق للإهمال على النمو والتطور. وتوفر هذه النتائج مؤشرات موضوعية قد تساعد في اكتشاف حالات الإهمال في مراحل مبكرة، وتوجيه سياسات جديدة وبرامج تدخل وأنظمة دعم للأطفال المعرضين للخطر.
حقائق رئيسية
- أكثر أشكال سوء المعاملة شيوعاً: يؤثر الإهمال على 3 من كل 4 حالات إساءة مؤكدة للأطفال على مستوى العالم.
- تغيرات في المسارات الدماغية: تم اكتشاف تشوهات في مناطق مرتبطة بالمهارات الحركية والانتباه وتنظيم العواطف.
- الأثر على السياسات: قد تُعيد هذه النتائج تشكيل استراتيجيات حماية الطفل وبرامج التدخل.
المصدر: جامعة فوكوي
عندما نفكر في إساءة معاملة الأطفال، فإن أول ما يخطر ببالنا غالبًا هو العنف الجسدي أو القسوة العاطفية. لكن الشكل الأكثر شيوعًا من أشكال سوء المعاملة هو في الحقيقة أكثر هدوءًا: الإهمال.
يؤثر الإهمال على ثلاثة من كل أربعة أطفال في حالات إساءة مؤكدة حول العالم، ويشير إلى الفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء الكافي، والمأوى، والإشراف، أو الحماية.
رغم أنه يسبب مشكلات موثقة في الصحة النفسية والتطور على المدى الطويل، فإن هذا الشكل “الخفي” من سوء المعاملة لم يحصل على قدر كافٍ من الاهتمام العلمي.
تتمثل إحدى التحديات الكبرى في الإهمال في أن آثاره غالبًا ما تمر دون أن تُلاحظ. على عكس الإساءة الجسدية التي قد تترك علامات مرئية، فإن العديد من الأطفال المهملين لا يظهرون مشكلات سلوكية واضحة في البداية، مما يجعل من الصعب على المعلمين والأطباء والأخصائيين الاجتماعيين التعرف على من يحتاج إلى المساعدة.
علاوةً على ذلك، ركز معظم الأبحاث الدماغية على أشكال أكثر وضوحًا من سوء المعاملة، تاركًا سؤالاً جوهريًا دون إجابة: كيف يؤثر الإهمال على دماغ الطفل أثناء تطوره؟
في محاولة لسد هذه الفجوة المعرفية، أجرى فريق بحثي من مركز أبحاث التطور العقلي للأطفال في جامعة فوكوي باليابان دراسةً باستخدام تقنيات متقدمة في التصوير العصبي لفحص تأثير الإهمال على تطور الدماغ عند الأطفال.
ونُشرت ورقتهم البحثية في العدد 15 من مجلة Scientific Reports في 26 يوليو 2025، وقادها البروفيسور أكيمي تومودا، الذي شغل دور المؤلف المسؤول وقدم القيادة العامة التي وجهت إنجاز الدراسة.
قارن الباحثون البنية المجهرية للمادة البيضاء لدى الأطفال المهملين، دون تعرّضهم لأنواع أخرى من سوء المعاملة، مع تلك الخاصة بالأطفال النامين نموًا طبيعيًا. واستخدموا تقنية التصوير بالتحفيز الانتشاري (diffusion tensor imaging)، وهي تقنية تتفوق في كشف التشوهات الدقيقة جدًا، لتحديد كيف يؤثر الإهمال على مسارات التواصل العصبي.
شملت الدراسة 21 طفلًا مهملًا و106 من الأطفال النامين نموًا طبيعيًا. ومن خلال تحليل شامل لدماغ كامل، وجد الباحثون أن الأطفال المهملين أظهروا تشوهات كبيرة في ثلاث مناطق دماغية حيوية.
وشملت هذه المناطق: المسار القشري الشوكي الأيمن (right corticospinal tract)، المسؤول عن الحركة الإرادية والمهارات الحركية؛ والحزمة الطولية العلوية اليمنى (right superior longitudinal fasciculus)، التي تلعب دورًا رئيسيًا في الانتباه واللغة والوظائف التنفيذية؛ والشريط الحزامي الأيسر (left cingulum)، الذي يربط بين النظم الدماغية العاطفية والمعرفية، وله أهمية بالغة في تنظيم العواطف.
ومن الجدير بالذكر أن التغيرات التي لُوحظت في هذه المسارات ارتبطت مباشرةً بمشاكل السلوك والصعوبات السلوكية.
“تُظهر نتائجنا أن الإهمال وحده، حتى في غياب الإساءة الجسدية أو العاطفية، يمكن أن يكون له أثر عميق على تطور الدماغ”، تؤكد الدكتورة تومودا.
معًا، تمثل هذه التغيرات في الدماغ مؤشرات موضوعية قد تساعد المهنيين في التعرف على الأطفال المتضررين من الإهمال، حتى قبل أن تظهر مشكلات سلوكية أو تطورية خطيرة. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن آثار الإهمال غالبًا ما تكون غير مرئية للناظر العادي.
كما يمكن أن تساعد هذه النتائج في إعادة تشكيل سياسات حماية الطفل وتوجيه برامج تدريب المهنيين. من خلال فهم التفاعل بين الإهمال وتأثيراته على السلوك والدماغ، سيكون من الممكن تصميم تدخلات وعلاجات موجهة تستهدف التحديات التطورية المحددة التي يواجهها الأطفال المتأثرون.
“في المستقبل، قد تُستخدم مؤشرات الدماغ الجديدة لمراقبة التطور العصبي وتقييم فعالية التدخلات، مما يسهم في بناء نماذج دعم جديدة للأطفال المهملين”، تختتم الدكتورة تومودا.
من خلال اعتبار الإهمال شكلاً رئيسيًا من أشكال المعاناة، تُبرز هذه الدراسة الحاجة الملحة إلى تعزيز أنظمة الدعم للأطفال المتأثرين. ونأمل أن تؤدي المزيد من الدراسات حول تأثير هذا النوع من سوء معاملة الطفولة في النهاية إلى مستقبل أفضل لأولئك الذين يتحملون وطأة هذه المعاملة.
معلومات التمويل
تم دعم هذا العمل من خلال منح JSPS KAKENHI للمبتدئين في البحث [رقم المنحة 22K13677]، وJSPS KAKENHI لتشجيع البحث الدولي المشترك [رقم المنحة 22KK0218]، ومنحة البحث الاستكشافي الطموح (Houga) [رقم المنحة 21K18499]، وAMED [رقم المنحة JP20gk0110052]، وJSPS KAKENHI للبحث العلمي (A) [رقم المنحة 19H00617]، ومنحة “إنشاء بيئة معيشية آمنة ومستقرة في ظل التغيرات في المجالات العامة والخاصة” من مؤسسة العلوم والتكنولوجيا اليابانية (JST)/معهد أبحاث العلوم والتكنولوجيا من أجل المجتمع (RISTEX)، ومنحة بحث من برنامج التعاون الياباني-الأمريكي لأبحاث الدماغ، ومنحة بحثية من الميزانية الاستراتيجية لتحقيق مهام الجامعة (FY 2022)، وJSPS KAKENHI للبحث العلمي (B) [رقم المنحة 23K25644]، وJSPS KAKENHI للبحث العلمي (C) [رقم المنحة 21K02352]، وJSPS KAKENHI للدعم المتقدم في التصوير الحيوي (ABiS) [رقم المنحة JP22H04926].
عن هذا الخبر العلمي حول الإهمال وتطور الدماغ عند الأطفال
الملخص
التشوهات في البنية المجهرية للمادة البيضاء لدى الأطفال الذين يتعرضون للإهمال دون أشكال أخرى من سوء المعاملة
يمكن أن يؤدي سوء معاملة الأطفال إلى تعطيل تطور الدماغ، مما يؤدي إلى ضعف في البنية المجهرية للمادة البيضاء (WM)، وتضرر سلامة الدماغ، وظهور اضطرابات نفسية متعددة.
من بين أشكال سوء المعاملة المختلفة، يُعد الإهمال الأكثر شيوعًا؛ ومع ذلك، توجد بيانات محدودة حول تأثيره المحدد على الدماغ.
استخدمت هذه الدراسة تقنية التصوير بالتحفيز الانتشاري (diffusion tensor imaging) لفحص الفروق في البنية المجهرية للمادة البيضاء بين الأطفال المهملين دون أنواع أخرى من سوء المعاملة (Neglect، n = 21) ومجموعة ضابطة من الأطفال النامين نموًا طبيعيًا (TD، n = 106).
كما استكشفت الدراسة العلاقة بين التغيرات في البنية المجهرية للمادة البيضاء ومشاكل الصحة النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الأطفال المهملون.
أظهر الأطفال المهملون زيادة في الانتشار المحوري (axial diffusion – AD) في مناطق مثل المسار القشري الشوكي الأيمن (R.CST)، والحزمة الطولية العلوية اليمنى (R.SLF)، والشريط الحزامي الأيسر (L.CG)، مقارنة بالأطفال النامين نموًا طبيعيًا.
وتم ربط الزيادة في AD في مناطق R.CST وL.CG وR.SLF بمشاكل السلوك.
تشير هذه النتائج إلى أن التغيرات في البنية المجهرية للمادة البيضاء تسهم في ظهور الأعراض السلوكية لدى الأطفال المهملين.

اترك تعليقاً