اكتشف كيف يُرسل التوتر المزمن خلايا المناعة إلى الدماغ ويدفعك إلى الاكتئاب

اكتشف كيف يُرسل التوتر المزمن خلايا المناعة إلى الدماغ ويدفعك إلى الاكتئاب

ملخص: تُظهر دراسة جديدة أن التوتر المزمن يؤدي إلى خروج خلايا مناعية تُعرف بالعدلات (neutrophils) من نقي العظم في الجمجمة وتجمعها في الأغشية الواقية للدماغ، حيث تسهم في ظهور أعراض الاكتئاب. وفي الفئران، ساهم تثبيط مسار إشارات “إنذار” مناعي في تقليل هذه الخلايا وتحسين السلوكيات المرتبطة بالمزاج.

تسلط هذه النتائج الضوء على كيفية تأثير التوتر في إعادة تشكيل البيئة المناعية للدماغ، وتفسر لماذا لا يستجيب ثلث المرضى تقريبًا للأدوية المضادة للاكتئاب الحالية. وقد يُسهم هذا الارتباط المناعي في توفير علامات حيوية (biomarkers) للعلاجات المُخصصة، كما يساعد في تفسير التداخل بين الاكتئاب وأمراض عصبية أخرى مثل السكتة الدماغية ومرض ألزهايمر.

حقائق رئيسية

  • الارتباط المناعي: يحفّز التوتر المزمن خروج العدلات (neutrophils) من نقي العظم في الجمجمة إلى الأغشية السحائية (meninges) المحيطة بالدماغ، مما يؤثر على المزاج.
  • المسار المُكتشف: أدى تثبيط إشارات الإنترفيرون من النوع الأول (type I interferon signaling) إلى تقليل عدد العدلات في الدماغ وتحسين السلوكيات المرتبطة بالاكتئاب لدى الفئران.
  • إمكانية العلاج: قد تُمهد هذه النتائج الطريق أمام علاجات جديدة مُستهدِفة للجهاز المناعي، خاصةً لحالات الاكتئاب التي لا تستجيب للأدوية التقليدية.

المصدر: جامعة كامبريدج

قد تلعب الخلايا المناعية التي تُفرز من نقي العظم في الجمجمة استجابةً للتوتر المزمن والظروف الصعبة دورًا محوريًا في ظهور أعراض الاكتئاب والقلق، وفقًا لما أكّده باحثون.

وتكشف هذه النتيجة، التي توصل إليها العلماء في دراسة أجريت على الفئران، عن الدور الذي قد تلعبه الالتهابات في اضطرابات المزاج، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث عن علاجات فعّالة، خاصةً للأشخاص الذين لا تنجح معهم العلاجات الحالية.

يُقدّر أن نحو مليار شخص حول العالم سيُشخصون باضطراب مزاجي مثل الاكتئاب أو القلق في مرحلة ما من حياتهم.

ورغم تنوع الأسباب الكامنة وراء هذه الاضطرابات، فإن الالتهاب المزمن — أي استمرار نشاط الجهاز المناعي لفترة طويلة حتى في غياب العدوى أو الإصابة — قد يرتبط بالاكتئاب. وهذا يوحي بأن الجهاز المناعي قد يكون له دور محوري في تطور هذه الاضطرابات.

وقد ركّزت دراسات سابقة على ارتباط مستويات مرتفعة من خلية مناعية تُعرف بالعدلات (neutrophils)، وهي نوع من كريات الدم البيضاء (white blood cells)، بحدة أعراض الاكتئاب. لكن الآلية التي تؤثر بها هذه الخلايا في أعراض الاكتئاب تظل غير واضحة حتى الآن.

في بحث نُشر اليوم بدورية Nature Communications، اختبر فريق من العلماء في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة والمعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة فرضية مفادها أن التوتر المزمن قد يؤدي إلى إطلاق العدلات (neutrophils) من نقي العظم في الجمجمة.

ثم تنتقل هذه الخلايا إلى الأغشية السحائية (meninges) — وهي الأغشية التي تغطي الدماغ وتحميه — وتساهم في ظهور أعراض الاكتئاب.

وبما أنه لا يمكن اختبار هذه الفرضية مباشرة على البشر، استخدم الفريق الفئران المعرضة للتوتر الاجتماعي المزمن. وفي هذه التجربة، يتم إدخال فأر “غريب” إلى قفص فأر مقيم عدواني. ويُسمح لهما بالتفاعل الجسدي القصير يوميًا، مع القدرة على رؤية بعضهما البعض وشمّ رائحته والسماع.

ووجد الباحثون أن التعرض الطويل لهذا البيئة المجهدة أدى إلى زيادة واضحة في عدد العدلات (neutrophils) داخل الأغشية السحائية (meninges)، وكانت هذه الزيادة مرتبطة بسلوكيات تشبه الاكتئاب لدى الفئران. بل إن هذه الخلايا استمرت في الأغشية السحائية لفترة أطول مما استمرت فيه في الدم، حتى بعد انتهاء التوتر.

وأكد التحليل الفرضية التي طرحها الباحثون، وهي أن العدلات (neutrophils) الموجودة في الأغشية السحائية — والتي تختلف قليلاً من حيث الخصائص عن تلك الموجودة في الدم — قد نشأت فعليًا في نقي العظم بالجمجمة.

وأشار تحليل إضافي إلى أن التوتر المزمن يُفعّل نوعًا من “إنذار” مناعي يُعرف بإشارات الإنترفيرون من النوع الأول (type I interferon signaling) داخل العدلات (neutrophils). وعند تثبيط هذا المسار — أي “إيقاف جهاز الإنذار” — انخفض عدد العدلات في الأغشية السحائية وتحسّنت السلوكيات لدى الفئران المكتئبة.

وقد سبق ربط هذا المسار بالاكتئاب؛ فعلى سبيل المثال، تُستخدم إنترفيرونيات من النوع الأول (type I interferons) لعلاج مرضى التهاب الكبد الوبائي C، لكن من المعروف أن أحد آثارها الجانبية هو التسبب في اكتئاب شديد أثناء العلاج.

قالت الدكتورة ستيسي كيغار من قسم الطب في جامعة كامبريدج: “تساعدنا أبحاثنا في تفسير كيف يمكن للتوتر المزمن أن يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في البيئة المناعية للدماغ، مما قد يسهم في الإصابة بالاكتئاب. كما تفتح الباب أمام علاجات جديدة تستهدف الجهاز المناعي بدلًا من التركيز فقط على كيمياء الدماغ.

يوجد شريحة كبيرة من المرضى لا تستجيب أدوية مضادة للاكتئاب لهم، وربما يصل عددهم إلى واحد من كل ثلاثة مرضى. إذا تمكّنا من فهم ما يحدث في الجهاز المناعي، فقد نتمكن من تخفيف أو حتى تقليل أعراض الاكتئاب.”

لا تزال الأسباب الكامنة وراء تراكم العدلات (neutrophils) في الأغشية السحائية (meninges) غير واضحة. قد يكون أحد التفسيرات أن الخلايا الدبقية الصغيرة (microglia) — وهي نوع من الخلايا المناعية الموجودة فقط في الدماغ — تقوم باستدعاء هذه الخلايا.

ومن التفسيرات المحتملة الأخرى أن التوتر المزمن قد يسبب نزيفًا دماغيًا صغيرًا (microhaemorrhages)، أي تسربًا طفيفًا في الأوعية الدموية للدماغ، فتتجه العدلات (neutrophils) — التي تُعدّ “الوكلاء الأوائل” في الاستجابة المناعية — إلى الموقع لإصلاح الضرر ومنع تفاقمه.

لكن هذه العدلات قد تصبح أكثر صلابة، مما يجعلها عالقة في الشعيرات الدموية للدماغ، وبالتالي تُسبب التهابًا إضافيًا في الدماغ.

أضافت الدكتورة ماري إلين لينال من قسم الطب النفسي في جامعة كامبريدج: “لقد عرفنا منذ فترة طويلة أن سلوك العدلات (neutrophils) يتغير بعد الأحداث المجهدة أو أثناء الاكتئاب، لكننا لم نكن نعرف ماذا تفعل هذه الخلايا، أين تذهب، أو كيف قد تؤثر على الدماغ والعقل.

تُظهر نتائجنا أن هذه الخلايا المناعية ‘الأوائل’ تغادر نقي العظم في الجمجمة وتسافر إلى الدماغ، حيث يمكنها التأثير على المزاج والسلوك.

معظم الناس قد اختبروا كيف يمكن للجهاز المناعي أن يسبب أعراضًا مؤقتة تشبه الاكتئاب. فعندما نمرض، مثلًا بنزلة برد أو إنفلونزا، نشعر غالبًا بنقص في الطاقة، وفقدان للشهية، وننام أكثر، وننطوي اجتماعيًا. فإذا كان الجهاز المناعي في حالة تنشيط دائم وحالة التهابية مزمنة، فلا ينبغي أن نتفاجأ إذا واجهنا مشكلات طويلة الأمد في مزاجنا.”

قد تُعدّ هذه النتائج بمثابة بصمة حيوية (biomarker) مفيدة تساعد في تحديد المرضى الذين تعتمد اضطرابات مزاجهم على الالتهاب. وهذا قد يعزز فرص تطوير علاجات أكثر فعالية.

فعلى سبيل المثال، قد تفشل تجربة سريرية لدواء تجريبي يستهدف الالتهاب الدماغي في علاج الاكتئاب إذا اختُبر على عينة عامة من المرضى، بينما استخدام العلامة الحيوية (biomarker) لتحديد المرضى الذين يعانون من اكتئاب مرتبط بالالتهاب قد يزيد من احتمال نجاح التجربة.

كما قد تساعد النتائج في تفسير لماذا يُعدّ الاكتئاب من الأعراض الشائعة في اضطرابات عصبية أخرى مثل السكتة الدماغية ومرض ألزهايمر، إذ قد تكون العدلات (neutrophils) تُفرز استجابةً للتلف الدماغي المرتبط بهذه الحالات.

بل وقد تفسر أيضًا لماذا يُعدّ الاكتئاب نفسه عامل خطر للإصابة بالخرف لاحقًا في الحياة، إذا كانت العدلات (neutrophils) قادرة على التسبب في تلف الخلايا العصبية.

التمويل: تم تمويل هذا البحث من قبل المعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH)، ومجلس أبحاث الطب (MRC)، ومركز أبحاث كامبريدج الحيوي الطبي التابع للهيئة الوطنية للبحوث الصحية والرعاية (NIHR).

عن هذا الخبر العلمي في علم الأعصاب والاكتئاب

الملخص

يؤدي التوتر الاجتماعي المزمن إلى تجمع العدلات في الأغشية السحائية عبر إشارات الإنترفيرون من النوع الأول لدى الفئران الذكور

يُعدّ الالتهاب عامل خطر متزايد التسليط عليه في الاضطرابات النفسية. وترتبط نماذج الحيوانات للتوتر والاضطرابات المرتبطة به بزيادة العدلات (neutrophilia) في الدم. لكن الصلة الميكانيكية بين هذه الظاهرة والأعراض أو السلوك تظل غير واضحة.

في هذه الدراسة، تم توصيف الاستجابة المناعية تجاه التوتر الاجتماعي المزمن (CSD) في مناطق حدود الدماغ لدى الفئران الذكور.

أظهرت النتائج أن التوتر المزمن — وليس التوتر الحاد — يؤدي إلى تراكم العدلات (neutrophils) في الأغشية السحائية (meninges)، أي ما يُعرف بـ”التعداد العدلي السحائي” (meningeal neutrophilia)، دون حدوث ذلك في نسيج الدماغ نفسه.

كما يُعزّز التوتر الاجتماعي المزمن (CSD) انتقال العدلات إلى الأغشية السحائية عبر قنوات دموية تنبع من نقي العظم (BM) في الجمجمة. ويشير التحليل النسخي إلى أن التوتر الاجتماعي المزمن (CSD) يزيد من إشارات الإنترفيرون من النوع الأول (IFN-I) في العدلات السحائية.

وتُظهر النتائج أن تثبيط هذا المسار عبر مستقبل الإنترفيرون من النوع الأول (IFNAR) يحمي من الآثار السلبية للسلوك الناتجة عن التوتر الاجتماعي المزمن (CSD).

وقد يُسهم تحديد إشارات IFN-I كوسيلة محتملة لاستدعاء العدلات السحائية في تطوير علاجات جديدة للإعاقات المرتبطة بالتوتر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *