اكتشف الدور المحوري لـ “Junk DNA” في تطور الدماغ والأمراض العصبية
ملخص: تُظهر دراسة جديدة أن الحمض النووي المتكرر، الذي كان يُنظر إليه سابقًا على أنه “حمض نووي قَمامة” (junk DNA)، يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الدماغ البشري. اكتشف العلماء أن عناصر النقل من نوع LINE-1 transposons (عناصر وراثية متحركة) نشطة في الخلايا الجذعية وتنظم جينات رئيسية خلال مراحل تطور الدماغ المبكرة.
وعند إيقاف هذه التسلسلات جينيًا، نمت أعضاء دماغية صناعية (organoids) بشكل غير طبيعي، مما يشير إلى تأثيرها ليس فقط على تطور الدماغ، بل أيضًا على الأمراض العصبية. تُظهر النتائج أن الأجزاء المخفية من الجينوم قد تكون محورية لفهم حالات مثل مرض باركنسون (Parkinson’s) والاضطرابات العصبية التنموية.
حقائق رئيسية
- منظمات خفية: عناصر LINE-1 transposons الموجودة في الحمض النووي غير المشفر توجه تطور الدماغ.
- عواقب إسكاتها: إيقاف نشاطها أدى إلى اضطرابات في نمو أعضاء دماغية مُزروعة في المختبر.
- ارتباطها بالأمراض: العديد من الجينات المتأثرة مرتبطة بالاضطرابات العصبية التنموية والنفسية.
المصدر: Lund University
لعقود، اُعتبرت أجزاء كبيرة من الحمض النووي البشري “قَمامة وراثية” بلا فائدة حقيقية.
لكن في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Cell Genomics، كشف باحثون من جامعة لوند (Lund University) أن الجزء المتكرر من الجينوم البشري يُسهم بنشاط في تطور الدماغ في المراحل المبكرة، وقد يكون له صلة أيضًا بفهم الأمراض الدماغية.
يحمل الحمض النووي (DNA) مجموعة التعليمات الكاملة التي يحتاجها الكائن الحي للنمو والبقاء، لكن ما يقارب 1.5% فقط منه يتكوّن من جينات مشفرة للبروتينات، وهي التي تحدد صفات مثل لون العين والطول ونوع الشعر.
أما الـ 98.5% المتبقية، التي كانت تُوصف سابقًا بـ “الحمض النووي القَمامة”، فهي اليوم تُعدّ أكثر فأكثر جزءًا مهمًا من الجينوم، حيث تتحكم في متى وأين يتم تنشيط الجينات، مما يؤثر على التطور والعمليات الخلوية، بل وحتى التطور البشري نفسه.
في جامعة لوند، ركّز الباحثون على استكشاف هذا الجزء المُهمَل من الجينوم. وتبين من دراستهم الأخيرة المنشورة في Cell Genomics أن تسلسلات محددة داخل الجينوم غير المشفر تلعب دورًا في تشكيل الدماغ البشري أثناء تطوره.
يقول يوهان ياكوبسون (Johan Jakobsson)، أستاذ في قسم العلوم الطبية التجريبية ورئيس مختبر الوراثة العصبية الجزيئية: “السؤال الأساسي في مختبري هو: كيف أصبح الدماغ البشري بشريًا؟”
ويضيف: “نريد أن نعرف أي أجزاء من الجينوم تسهم في الوظائف الفريدة للدماغ البشري، وكيف ترتبط هذه الأجزاء باضطرابات الدماغ.”
الحمض النووي المتكرر يلعب دورًا نشطًا في الدماغ البشري
في هذه الدراسة الجديدة، درس يوهان ياكوبسون وفريقه، بالتعاون مع شركاء من جامعة كوبنهاغن (University of Copenhagen)، وجامعة كامبريدج (University of Cambridge)، وجامعة نيويورك (New York University)، تسلسلات متكررة من الحمض النووي تُعرف باسم transposable elements (عناصر قابلة للنقل). وتُوصف هذه التسلسلات أحيانًا بـ “الجينات القافزة” (jumping genes)، لأنها قادرة على التحرك داخل الجينوم، مما يجعل دراستها معقدة.
ومن خلال استخدام خلايا جذعية مُولَّدة مُتعددة القدرات (induced pluripotent stem cells) وأعضاء دماغية صناعية (brain organoids) – وهي نماذج مصغرة وبسيطة للدماغ البشري تُزرع في المختبر – ركّز الباحثون على عائلة محددة من هذه العناصر تُعرف باسم LINE-1 (L1) transposons. وباستخدام تقنية تعديل الجينات CRISPR إلى جانب طرق تسلسل متقدمة، تمكنوا من إيقاف نشاط هذه العناصر وملاحظة التأثيرات الناتجة.
يوضح ياكوبسون: “في السابق، افترضنا أن هذا الجزء من الجينوم معطّل ويجلس بهدوء في الخلفية.”
ويضيف: “لكن اتضح أن هذا افتراض خاطئ. هذه العناصر ليست صامتة؛ بل نشطة في الخلايا الجذعية البشرية، وتشير النتائج إلى أنها تلعب دورًا مهمًا في تطور الدماغ المبكر. ووجدنا أنه عند إيقافها، تظهر آثار حقيقية.”
تأثير الجينات القافزة على تطور الدماغ
عند إسكات عناصر L1 transposons، لاحظ الفريق اضطرابات في نشاط الجينات ونمو غير طبيعي للأعضاء الدماغية الصناعية.
يقول ياكوبسون: “من منظور تطوري، قد يساعد هذا في تفسير كيف تطور الدماغ البشري بشكل مختلف عن دماغ الرئيسيات الأخرى.”
ويتابع: “لكن من منظور الأمراض، فإن هذا يخبرنا أن هذه العناصر جزء من آليات الخلية، وربما مرتبطة باضطرابات معينة. إذا أردنا فهم الاضطرابات العصبية التنموية أو الحالات العصبية النفسية بشكل كامل، فعلينا دراسة هذا الجزء من الجينوم.”
وبما أن العديد من الجينات التي تتأثر بنشاط L1 transposons مرتبطة باضطرابات دماغية، فإن هذا العمل يفتح آفاقًا جديدة للبحث المستقبلي.
كيف يسهم الجينوم غير المشفر في الأمراض الدماغية؟
يواصل فريق لوند هذا البحث من خلال شبكة ASAP (Aligning Science Across Parkinson’s) للبحث التعاوني، بالتعاون مع شركاء دوليين، لدراسة كيفية مساهمة العناصر القابلة للنقل (transposable elements) في الأمراض الدماغية، باستخدام خلايا مشتقة من المرضى وعينات أنسجة دماغية مُتبرع بها.
يختتم ياكوبسون: “تشير هذه الدراسة إلى أن هذه العناصر ليست مجرد بقايا تطورية، بل لها أهمية في تنظيم الجينات النشطة في الدماغ.”
ويضيف: “الخطوة التالية لدينا هي دراسة عينات من المرضى، من الأطفال المصابين باضطرابات عصبية تنموية، والبالغين المصابين بأمراض مرتبطة بالعمر مثل مرض باركنسون. الهدف هو فهم كيف تساهم هذه الأجزاء الخفية من جينومنا في الأمراض، وكيف يمكننا في النهاية استخدام هذه المعرفة لتحسين العلاجات.”
عن هذا الخبر العلمي في مجال الوراثة والتطور العصبي والطب العصبي
الملخص
تعمل عناصر LINE-1 retrotransposons على التحكم النسخي الداخلي في الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات وتنظم تطور الدماغ المبكر
تمثل عناصر Long interspersed nuclear element 1 (L1) مصدرًا واسعًا للتنوع الوراثي.
لكن تحليل آليات تأثير L1 على البرامج التنموية البشرية لا يزال ناقصًا، جزئيًا بسبب الصعوبات المرتبطة بدراسة التعبير الوراثي المحدد لـ L1 في البشر.
في هذه الدراسة، نُبين أن آلاف التسلسلات الخاصة بالبشر (hominoid-specific) من L1 تُعبّر عنها الخلايا الجذعية المُولَّدة مُتعددة القدرات (human induced pluripotent stem cells) والأعضاء الدماغية (cerebral organoids).
تتفاوت مستويات نشاط مُحفزات L1 بشكل واسع، وترتبط بحالة ابيجينية (epigenetic) نشطة.
وأظهرت تقنية CRISPR interference (CRISPRi) الفعالة في إسكات L1 وجود ما يقارب مئة نص اندماجي (chimeric transcript) مُستَغَل من أصل L1، كما أدى إسكات L1 إلى تغيرات في برامج التمايز العصبي وانخفاض في حجم الأعضاء الدماغية.
معًا، تؤكد هذه البيانات دور L1 والنواتج النصية المشتقة منه في العمليات التنموية الخاصة بالمجموعة البشرية (hominoid-specific CNS developmental processes).
اترك تعليقاً